عيد الفطر

يسعدنا أن نتقدّم إليكم بأحرّ التهاني وأطيب الأماني بمناسبة حلول عيد الفطر المبارك

أعاده الله عليكم وعلى ذويكم بالخير واليمن والبركة و  كل عام و انتم بألف خير

تقبل الله منا ومنكم الصيام وصالح الاعمال

ستقام الصلاة الساعة 7:30 بمقار مساجد الجمعية

مدرسة السبت والأحد

تعلن جمعية الإيمان الإسلامية عن بدء الدراسة بمدرسة السبت والأحد بمساجد الجمعية الثلاثة لتعليم الأطفال القران الكريم واللغة العربية والتربية الاسلامية في مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية..

وتنبه الجمعية أن ساعات الدراسة تبدأ من التاسعة صباحا حتى الثانية والنصف ظهرا.

وتشير الجمعية إلى أن رسوم التعليم 60 دولار شهريا مع خصم 10 دولارات لمن لديه اكثر من طفل بالمدرسة وستقوم المساجد بتقديم وجبة الغداء مجانا شريطة ألا يقل سن الطالب عن خمس سنوات.

شهر الله المحرم

مقدمة

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران:102].
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء:1].
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا {33/70} يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
فإن من حكمة الله تعالى في خلقه أن فضل الأزمان والشهور بعضها على بعض، قال تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ} [القصص:68]، ومن حكمته تعالى أن اختص بعضها بمزيد حرمة وعناية فجعل بعضها أشد حرمة من غيره، فمن ذلك الأشهر الحرم فقد حذر الله عباده وجعل تعظيم شعائره تعالى من تقوى القلوب فقال: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج:32]، كما جعل تعظيم حرمات الله خيرًا للعباد عند ربهم. كما قال سبحانه: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ} [الحج:30].
وإن من توفيق الله للعبد أن ييسر للهداية وتسهل عليه طاعة الله ورسوله كما قال سبحانه وتعالى: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} [النور:54].

فمن النجاة الاستمساك بكتابه سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد قال سبحانه: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} [طه:123-126].

فعلينا أن نغتنم هذه المواسم والنفحات من الرحيم الرحمن جل جلاله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لربكم في أيام دهركم نفحات فتعرضوا له لعله أن يصيبكم نفحة منها فلا تشقون بعدها أبدًا»(1).

وفي هذه الرسالة المسماة بـ(شهر الله المحرم فضائل وأحكام) عرض موجز لبعض الفضائل والأحكام المتعلقة بهذا الشهر المعظم شهر الله المحرم وفضل صيام عاشوراء مع أكمل المراتب لصيامه.

ولا يسعني في الختام إلا أن أشكر الله عز وجل الذي هداني لهذا العمل وما كنت لأهتدي لولا أن منَّ الله عز وجل عليَّ بذلك، ثم أشكر كلَّ من قام بمراجعة هذه الرسالة أو أرشد إلى تعديل أو إضافة، سائلًا الله عز وجل أن يجعله خالصًا صوابًا، وأن يجعله مما ينتفع به في الحياة وبعد الممات، وما كان فيه من حقٍ وصوابٍ فمن الله عز وجل وحده، وما كان من خطأٍ أو سهوٍ فمن نفسي والشيطان، والله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم منه بريئان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حرمة شهر الله المحرم

شهر الله المحرم هو أحد الأشهر الحرم التي قال الله عز وجل فيها: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36].

قال الإمام القرطبي ـ رحمه الله ـ في تفسيره: «خص الله تعالى الأشهر الحرم بالذكر ونهى عن الظلم فيها تشريفًا لها، وإن كان منهيًا عنه في كل الزمان، وعلى هذا أكثر أهل التأويل، أي: لا تظلموا في الأربعة أشهر الحرم أنفسكم، وروي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: «{فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} في الاثني عشر» ا.هـ(2).

وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي ـ رحمه الله ـ في تفسيره:
«{فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} يحتمل أن الضمير يعود إلى الإثنى عشر شهرًا، وأن الله تعالى بين أنه جعلها مقادير للعباد، وأن تُعمر بطاعته، ويُشكر الله تعالى على مِنتِه بها وتقييضها لصالح العباد، فلتحذروا من ظلم أنفسكم فيها. ويحتمل أن الضمير يعود إلى الأربعة الحُرم، وأن هذا نهي لهم عن الظلم فيها، خصوصًا مع النهي عن الظلم كل وقت، لزيادة تحريمها، وكون الظلم فيها أشد من غيرها» ا.هـ(3)

ويتبين فضل هذا الشهر أيضًا بإضافته إلى الله عز وجل فيقال: (شهر الله المحرم) وهذه إضافة تشريف وتفضيل، كمثل: بيت الله وناقة الله.
وفي الصحيحين(4) من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في حجته فقال: «إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حُرُم، ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مُضر الذي بين جمادى وشعبان».

قال الحافظ ابن كثير ـ رحمه الله ـ في تفسيره: «فإنما أضافه إلى مُضر ليُبين صحة قولهم في رجب إنه الشهر الذي بين جمادى وشعبان، لا كما تظنه ربيعة من أن رجب المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوال وهو رمضان اليوم، فبيَّن صلى الله عليه وسلم أنه رجب مضر لا رجب ربيعة، وإنما كانت الأشهر المحرمة أربعة ثلاثة سرد وواحد فرد، لأجل أداء مناسك الحج والعمرة فحُرِّم قبل أشهر الحج شهرًا وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحُرِّم شهر ذو الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون بأداء المناسك، وحُرِّم بعده شهرًا آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين، وحُرِّم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتماد به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه فيه آمنًا» ا.هـ(5).

فضل شهر الله المحرم

شهر الله المحرم له فضل عظيم، حتى عدَّه بعض السلف أفضل الأشهر الحرم.
قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل؟ فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم، ورجحه طائفة من المتأخرين، وروى وهب بن جرير عن قرة بن خالد عن الحسن، قال: إن الله افتتح السنة بشهر حرام وختمها بشهر حرام، فليس شهر في السنة بعد شهر رمضان أعظم عند الله من المحرم، وكان يسمى شهر الله الأصم من شدة تحريمه.

خَرّجَ النسائي من حديث أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي غ: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: «خير الليلِ جوفُهُ، وأفضلُ الأشهرِ شهرُ الله الذي تدعونهُ المحرَّم»(6)، وإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أفضل الأشهر، محمول على ما بعد رمضان» ا.هـ(7).

فضل صيام شهر الله المحرم

مما يدل على فضله، أن صيامه أفضل الصيام بعد رمضان.
فقد جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل»(8). وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على فضل صيام شهر الله المحرم.

 

قال الإمام النووي ـ رحمه الله ـ: «فإن قيل في الحديث: إن أفضل الصوم بعد رمضان صوم المحرم، فكيف أكثر الصيام في شعبان دون المحرم؟ فالجواب: لعله لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر الحياة قبل التمكن من صومه، أو لعله كان يعرض فيه أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه، كسفر ومرض وغيرهما» ا.هـ(9).

 

قال الحافظ ابن رجب ـ رحمه الله ـ: «وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم شهر الله(10)، وإضافته إلى الله عز وجل تدل على شرفه وفضله، فإن الله تعالى لا يضيف إليه إلا خواص مخلوقاته، كما نسب محمدًا وإبراهيم وإسحاق ويعقوب وغيرهم من الأنبياء إلى عبوديته، ونسب إليه بيته وناقته(11).

 

ولما كان هذا الشهر مختصًا بإضافته إلى الله تعالى، وكان الصيام من بين الأعمال مضافًا إلى الله تعالى، فإنه له سبحانه من بين الأعمال؛ ناسب أن يختص هذا الشهر المضاف إلى الله، بالعمل المضاف إليه المختص به وهو الصيام، وقد قيل في معنى إضافة هذا الشهر إلى الله ﻷ، إنه إشارة إلى أن تحريمه إلى الله عز وجل ليس لأحد تبديله كما كانت الجاهلية يحلونه ويحرمون مكانه صفرًا، فأشار إلى أنه شهر الله الذي حرمه، فليس لأحد من خلقه تبديل ذلك وتغييره.

شهرُ الحرام مباركٌ ميمونُ *** والصوم فيه مضاعفٌ مسنون
وثوابُ صائمهِ لوجه إلههِ *** في الخُلدِ عند مليكهِ مخزُونُ

انتهى كلامه رحمه الله(12).

 

ومن فضل هذا الشهر أن فيه يوم عاشوراء الذي حصل فيه نصر مبين لأهل الإيمان وأظهر الله فيه الحق على الباطل؛ حيث نجّى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فهو يوم له فضيلة عظيمة.

 

جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟» فقالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّقَ فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فنحن أحق وأولى بموسى منكم» فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، متفق عليه(13).

 

قال ابن عباس رضي الله عنه: «ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم يوم عاشوراء، وهذا الشهر يعني شهر رمضان»(14).

 

 

.

الصدقة فى رمضان

رمضان شهر التنافس في الخيرات والتزود من الطاعات، وفيه تعظم الأجور وترفع الدرجات، والصدقة من أهم العبادات التي ينبغي على المسلم أن يكون له منها نصيب في هذا الشهر، وهي في رمضان أفضل منها في غيره، فقد أخرج الترمذي من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الصدقة صدقة في رمضان.

وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة.

 

فضل الاعتكاف وأحكامه

فضل الاعتكاف وأحكامه


تعريفه
هو لزوم المسجد بنية مخصوصة ، لطاعة الله تعالى : وهو مشروع مستحب باتفاق أهل العلم ، قال الإمام أحمد فيما رواه عنه أبو داود : ( لا أعلم عن أحد من العلماء إلا أنه مسنون )

وقال الزهري رحمه الله : ( عجباً للمسلمين ! تركوا الاعتكاف ، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم ، ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل )

فائدة الاعتكاف وثمرته :
إن في العبادات من الأسرار والحكم الشيء الكثير ، ذلك أن المدار في الأعمال على القلب ، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب ) رواه البخاري ( 52 ) ومسلم ( 1599 ) .

وأكثر ما يفسد القلب الملهيات ، والشواغل التي تصرفه عن الإقبال على الله عز وجل من شهوات المطاعم ، والمشارب ، والمناكح ، وفضول الكلام ، وفضول النوم ، وفضول الصحبة ، وغير ذلك من الصوارف التي تفرق أمر القلب ، وتفسد جمعيته على طاعة الله ، فشرع الله تعالى قربات تحمي القلب من غائلة تلك الصوارف ، كالصيام مثلاً ، الصيام الذي يمنع الإنسان من الطعام والشراب ، والجماع في النهار ، فينعكس ذلك الامتناع عن فضول هذه الملذات على القلب ، فيقوى في سيره إلى الله ، وينعتق من أغلال الشهوات التي تصرف المرء عن الآخرة إلى الدنيا .

وكما أن الصيام درع للقلب يقيه مغبة الصوارف الشهوانية ، من فضول الطعام والشراب والنكاح ، كذلك الاعتكاف ، ينطوي على سر عظيم ، وهو حماية العبد من آثار فضول الصحبة ، فإن الصحبة قد تزيد على حد الاعتدال ، فيصير شأنها شأن التخمة بالمطعومات لدى الإنسان ، كما قال الشاعر :

عدوك من صديقك مستفاد ***** فلا تستكثرن من الصّحاب
فإن الـــداء أكثر ما تـــراه ***** يكون من الطعام أو الشراب

وفي الاعتكاف أيضاً حماية القلب من جرائر فضول الكلام ، لأن المرء غالباً يعتكف وحده ، فيُقبل على الله تعالى بالقيام وقراءة القرآن والذكر والدعاء ونحو ذلك .

وفيه كذلك حماية من كثرة النوم ، فإن العبد إنما اعتكف في المسجد ليتفرغ للتقرب إلى الله ، بأنواع من العبادات ، ولم يلزم المسجد لينام .

ولا ريب أن نجاح العبد في التخلص من فضول الصحبة ، والكلام والنوم يسهم في دفع القلب نحو الإقبال على الله تعالى وحمايته من ضد ذلك .

الجمع بين الصوم والاعتكاف :
لا ريب أن اجتماع أسباب تربية القلب بالإعراض عن الصوارف عن الطاعة ، أدْعى للإقبال على الله تعالى والتوجه إليه بانقطاع وإخبات ، ولذلك استحب السلف الجمع بين الصيام والاعتكاف ، حتى قال الإمام ابن القيم رحمه الله : ( ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطراً قط ، بل قالت عائشة : ( لا اعتكاف إلا بصوم ) أخرجه أبو داود ( 2473 )

ولم يذكر الله سبحانه وتعالى الاعتكاف إلا مع الصوم ، ولا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مع الصوم .

فالقول الراجح في الدليل الذي عليه جمهور السلف : ( أن الصوم شرط في الاعتكاف ، وهو الذي كان يرجحه شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية ) زاد المعاد 2/87،88

واشتراط الصوم في الاعتكاف نقل عن ابن عمر وابن عباس ، وبه قال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة ، واختلف النقل في ذلك عن أحمد والشافعي .

وأما قول الإمام ابن القيم رحمه الله : ( ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف مفطراً قط ) ففيه بعض النظر ، فقد نقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ، اعتكف في شوال ) رواه البخاري ( 1928 ) ومسلم ( 1173 ) . ولم يثبت أنه كان صائماً في هذه الأيام التي اعتكافها ، ولا أنه كان مفطراً .

فالأصح أن الصوم مستحب للمعتكف ، وليس شرطاً لصحته .

مع النبي صلى الله عليه وسلم في معتكفه : اعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأول من رمضان ثم العشر الأواسط ، يلتمس ليلة القدر ، ثم تبيّن له أنها في العشر الأواخر فداوم على اعتكافها .

فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يجاور في العشر التي وسط الشهر ، فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة ، ويستقبل إحدى وعشرين ، يرجع إلى مسكنه ، ورجع من كان يجاور معه ، ثم إنه أقام في شهر ، جاور فيه تلك الليلة التي كان يرجع فيها ، فخطب الناس ، فأمرهم بما شاء الله ، ثم قال : ( إني كنت أجاور هذه العشر ، ثم بدالي أن أجاور هذه العشر الأواخر ، فمن كان اعتكف معي فليبت في معتكفه ، وقد رأيت هذه الليلة فأنسيتها ، فالتمسوها في العشر الأواخر ، في كل وتر ، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين ) .

قال أبو سعيد : مطرنا ليلة إحدى وعشرين ، فوكف المسجد في مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنظرت إليه ، وقد انصرف من صلاة الصبح ، ووجهه مبتل ماء وطيناً فتحقق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وهذا من علامات نبوته .

ثم حافظ صلى الله عليه وسلم ، على الاعتكاف في العشر الأواخر ، كما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل ثم اعتكف أزواجه من بعده . رواه البخاري ( 1921 ) ومسلم ( 1171 ) .

وفي العام الذي قبض فيه صلى الله عليه وسلم اعتكف عشرين يوماً البخاري ( 1939 ) . أي العشر الأواسط والعشر الأواخر جميعاً ، وذلك لعدة أسباب :

أولها : أن جبريل عارضه القرآن في تلك السنة مرتين البخاري ( 4712 ) . فناسب أن يعتكف عشرين يوماً ، حتى يتمكن من معارضة القرآن كله مرتين .

ثانيها : أنه صلى الله عليه وسلم أراد مضاعفة العمل الصالح ، والاستزادة من الطاعات ، لإحساسه صلى الله عليه وسلم بدنو أجله كما فهم من قول الله تعالى : ( إذا جاء نصر الله والفتح ، ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً ) سورة النصر . فإن الله عز وجل أمر نبيه عليه الصلاة والسلام بالإكثار من التسبيح والاستغفار في آخر عمره ، وهكذا فعل صلى الله عليه وسلم ، فقد كان يكثر في ركوعه وسجوده من قول : ( سبحانك اللهم وبحمدك ، اللهم اغفر لي ) يتأول القرآن . رواه البخاري ( 487 ) ومسلم ( 484 )

ثالثها : أنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك شكراً لله تعالى على ما أنعم به عليه من الأعمال الصالحة من الجهاد والتعليم والصيام والقيام وما آتاه من الفضل من إنزال القرآن عليه ورفع ذكره وغير ذلك مما امتن الله تعالى به عليه .

وكان صلى الله عليه وسلم يدخل معتكفه قبل غروب الشمس فإذا أراد مثلاً أن يعتكف العشر الأواسط دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي عشر ، وإذا أراد أن يعتكف العشر الأواخر دخل المعتكف قبل غروب الشمس من ليلة الحادي والعشرين .

أما ما ثبت في الصحيح من أنه صلى الله عليه وسلم صلى الفجر ثم دخل معتكفه رواه البخاري ( 1928 ) ، ومسلم ( 1173 ) والترمذي ( 791 ) . فإنما المقصود أنه دخل المكان الخاص في المسجد بعد صلاة الفجر ، فقد كان يعتكف في مكان مخصص لذلك ، كما ورد في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في قبة تركية . رواه مسلم ( 1167 )

وكان صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه وهو معتكف في المسجد إلى عائشة رضي الله عنها وهي في حجرتها ، فتغسله وترجله ، وهي حائض ، كما جاء في الصحيحين . البخاري ( 1924 ) ، ( 1926 ) ومسلم ( 297 ) .

وفي مسند أحمد أنه كان يتكئ على باب غرفتها ، ثم يُخْرج رأسه ، فترجّله . أحمد ( 6/272 )

وفي ذلك دليل على أن إخراج المعتكف بعض جسده من المعتكف لا بأس به ، كأن يخرج رجله أو رأسه . كما أن الحائض لو أدخلت يدها أو رجها مثلاً في المسجد فلا بأس ، لأن هذا لا يُعدّ دخولاً في المسجد .

ومن فوائد هذا الحديث أيضا أن المعتكف لا حرج عليه أن يتنظف ، ويتطيب ، ويغسل رأسه ، ويسرحه ، فكل هذا لا يخلّ بالاعتكاف .

ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما راوه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ، ثم دخل معتكفه ، وإنه أمر بخبائها فضرب ، وأمر غيرها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ، بخبائه فضرب ، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر نظر فإذا الأخبية ، فقال : ( آلبرَّ تُردْن ؟) فأمر بخبائه فقوض ، وترك الاعتكاف في شهر رمضان ، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال البخاري ( 1928 ) ومسلم ( 1173 ) .

ومعنى قوله : ( آلبرّ تردْن ؟ ) أي : هل الدافع لهذا العمل هو إرادة البر ، أو الغيرة والحرص على القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

والأظهر والله أعلم أن اعتكافه صلى الله عليه وسلم في شوال من تلك السنة بدأ بعد العيد ، أي في الثاني من شوال .

ويحتمل أن يكون بدأ من يوم العيد ، فإن صح ذلك فهو دليل على أن الاعتكاف لا يشترط معه الصوم ، لأن يوم العيد لا يصام .

ومما وقع له صلى الله عليه وسلم في اعتكافه ما رواه الشيخان أيضا أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد ، في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة ، مر رجلان من الأنصار ، فسلّما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : ( على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي ) ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ! وكبُرَ عليهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ) وفي لفظ : ( يجري من الإنسان مجرى الدم ) ، ( وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً ) وفي لفظ : ( شراً ) .

فمن شدة حرصه صلى الله عليه وسلم ، على صدق إيمان هذين الأنصاريَّيْن ، وخشية أن يلقى الشيطان في قلوبهما شيئاً ، فيشكَّا في الرسول صلى الله عليه وسلم ، فيكون ذلك كفراً ، أو يشتغلا بدفع هذه الوسوسة ، بيّن صلى الله عليه وسلم الأمر ، وقطع الشك ، ودفع الوسواس ، فأخبرهما أنها صفية رضي الله عنها وهي زوجته .

هديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف :
وهديه صلى الله عليه وسلم في الاعتكاف كان أكمل هدي ، وأيسره ، فكان إذا أراد أن يعتكف وُضع له سريره وفراشه في مسجده صلى الله عليه وسلم ، وبالتحديد وراء أسطوانة التوبة كما جاء في الحديث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه كان إذا اعتكف طرح له فراشه ، أو يوضع له سريره وراء أسطوانة التوبة ) رواه ابن ماجه 1/564 .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب له خباء مثل هيئة الخيمة ، فيمكث فيه غير أوقات الصلاة حتى تتم الخلوة له بصورة واقعية ، وكان ذلك في المسجد ، ومن المتوقع أن يضرب ذلك الخباء على فراشه أو سريره ، وذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان ، فكنت أضرب له خباء ، فيصلي الصبح ، ثم يدخله .. الحديث ) رواه البخاري 4/810 فتح الباري .

وكان دائم المكث في المسجد لا يخرج منه إلا لحاجة الإنسان ، من بول أو غائط ، وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها حين قالت : ( .. وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً ) رواه البخاري 4/ 808 فتح الباري .

وكان صلى الله عليه وسلم يؤتي إليه بطعامه وشرابه إلى معتكفه كما أراد ذلك سالم بقوله : ( أما طعامه وشرابه فكان يؤتى به إليه في معتكفه ) ص 75 .

وكان صلى الله عليه وسلم يحافظ على نظافته ، إذْ كان يخرج رأسه إلى حجرة عائشة رضي الله عنها لكي ترجّل له شعر رأسه ، ففي الحديث عن عروة عنها رضي الله عنها ( أنها كانت ترجّل النبي صلى الله عليه وسلم وهي حائض ، وهو معتكف في المسجد ، وهي في حجرتها ، يناولها رأسه ) رواه البخاري 4/807 فتح الباري ز

قال ابن حجر : ( وفي الحديث جواز التنظيف والتطيب والغسل والحلق والتزين إلحاقاً بالترجل ، والجمهور على أنه لا يكره فيه إلا ما يكره في المسجد ) 4/807 فتح الباري

وكان صلى الله عليه وسلم لا يعود مريضاً ، ولا يشهد جنازة ، وذلك من أجل التركيز والانقطاع الكلي لمناجاة الله عز وجل ، ففي الحديث عن عائشة أنها قالت : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يمرّ بالمريض وهو معتكف ، فيمرّ كما هو ولا يُعرِّج يسأل عنه ) وأيضا عن عروة أنها قالت : ( السنّة على المعتكف أن لا يعود مريضاً ، ولا يشهد جنازة ، ولا يمس امرأة ، ولا يباشرها ، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه ، ولا اعتكاف إلا بصوم ، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع ) رواه أبو داود/ 2/333 .

وكان أزواجه صلى الله عليه وسلم يزرْنه في معتكفه ، وحدث أنه خرج ليوصل إحداهن إلى منزلها ، وكان ذلك لحاجة إذ كان الوقت ليلاً ، وذلك كما جاء في الحديث عن علي بن الحسين : ( أن صفية رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو معتكف ، فلما رجعت مشى معها ، فأبصره رجل من الأنصار ، فلما أبصر دعاه ، فقال : تعال ، هي صفية ) وربما قال سفيان : ( هذه صفية ، فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) قلت لسفيان : ( أتته ليلاً ؟ قال : وهل هو إلا ليلاً ) رواه البخاري 4/819 .

فرأى صلى الله عليه وسلم أن خروجه معها رضي الله عنها أمر لا بد منه في ذلك الليل ، فخرج معها من معتكفه ، ليوصلها إلى بيتها .

وخلاصة القول : أن هديه صلى الله عليه وسلم في اعتكاف كان يتسم بالاجتهاد ، فقد كان جل وقته مكث في المسجد ، وإقبال على طاعة الله عز وجل ، وترقب لليلة القدر .

مقاصد الاعتكاف
تحري ليلة القدر .
الخلوة بالله عز وجل ، والانقطاع عن الناس ما أمكن حتى يتم أنسه بالله عز وجل وذكره .
إصلاح القلب ، ولم شعثه بإقبال على الله تبارك وتعالى بكليته .
الانقطاع التام إلى العبادة الصرفة من صلاة ودعاء وذكر وقراءة قرآن .
حفظ الصيام من كل ما يؤثر عليه من حظوظ النفس والشهوات .
التقلل من المباح من الأمور الدنيوية ، والزهد في كثير منها مع القدرة على التعامل معها .

أقسام الاعتكاف
واجب : ولا يكون إلا بنذر ، فمن نذر أن يعتكف وجب عليه الاعتكاف ، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( من نذر أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه ) وفي الحديث أن ابن عمر رضي الله عنهما : أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام ، قال : ( أوف بنذرك ) البخاري 4/809 .

مندوب : وهو ما كان من دأب النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه في العشر الأواخر من رمضان ، ومحافظة على هذا الأمر وهو سنة مؤكدة من حياته صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في الأحاديث التي أشير غليها عند الحديث عن مشروعية الاعتكاف .

حكم الاعتكاف
سنة مؤكدة داوم عليها الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقضى بعض ما فاته منها ، ويقول في ذلك ( عزام ) : ” والمسنون ما تطوع به المسلم تقرباً إلى الله ، وطلباً لثوابه اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت أنه فعله وداوم عليه ) ص 114

شروط الاعتكاف
يشترط للاعتكاف شروط هي :

الإسلام : إذ لا يصح من كافر ، وكذلك المرتد عن دينه .
التمييز : إذ لا يصح من صبي غير مميز .
الطهارة من الحدث الأكبر ( من جنابة ، وحيض ، ونفاس ) وإن طرأت مثل هذه الأمور على المعتكف أثناء اعتكافه وجب عليه الخروج من المسجد ، لأنه لا يجوز له المكث على حالته هذه في المسجد .
أن يكون في مسجد : قال الله تعالى ( ولا تُباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد والأفضل أن يكون الاعتكاف في مسجد تقام فيه الجمعة ، حتى لا يضطر إلى الخروج من مسجده لأجل صلاة الجمعة .

وقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم . والصواب أن الاعتكاف جائز في كل مسجد تصلى فيه الفروض الخمسة ، قال الله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) سورة البقرة 187 ، فدل عموم قوله تعالى : ( في المساجد ) على أنه جائز في كل مسجد . ويستحب أن يكون في مسجد جامع ، حتى لا يحتاج المعتكف إلى الخروج للجمعة .

وأما حديث ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) أخرجه الطحاوي في مشكل الآثار 4/20 فهو على القول بصحته مؤول بمعنى أنّ أكمل ما يكون الاعتكاف في هذه المساجد كما قال أهل العلم .

وقد يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة ) : أي لا اعتكاف يُنذر ويسافر إليه . والاعتكاف يصح في كل مسجد ، وقد أجمع الأئمة – خاصة الأئمة الأربعة – على صحة الاعتكاف في كل مسجد جامع . ولم يقل بعدم صحة الاعتكاف إلا في المساجد الثلاثة أحد من الأئمة المعروفين المتبوعين ، لا الأربعة ولا العشرة ولا غيرهم ، وإنما نقل هذا عن حذيفة – رضي الله عنه – وواحد أو اثنين من السلف .

وإذا نذر المرء أن يعتكف في المسجد الحرام وجب عليه الوفاء بنذره ، فيعتكف في المسجد الحرام . ولكن لو نذر مثلا أن يعتكف في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يجوز له أن يعتكف في مسجد النبي أو في المسجد الحرام ؛ لأن المسجد الحرام أفضل .

ولو نذر أن يعتكف في المسجد الأقصى ، جاز له أن يعتكف في المسجد الأقصى أو المسجد الحرام أو المسجد النبوي ، لأنهما أفضل من المسجد الأقصى .

أركان الاعتكاف :
النية : لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى ، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه ) البخاري 1/15 .

المكث في المسجد : كما في قوله تعالى : ( وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع والسجود ) سورة البقرة /125 وفي هذا تأكيد على أن مكان الاعتكاف هو المسجد ، ودلّ على ذلك أيضاً فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أزواجه وصحابته رضوان الله عليهم ، ففي الحديث عن يونس بن زيد أن نافعاً حدثه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان ، قال نافع : وقد أراني عبد الله رضي الله عنه المكان الذي يعتكف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد أخرجه مسلم 8/308 .

مكانه وزمانه وبداية وقته :
مكان الاعتكاف المسجد كما دلت عليه الآية في قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) البقرة /187 .

ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم وأزواجه وصحابته رضوان الله عليهم اعتكفوا في المساجد ، ولم يرد عن أحد منهم أنه اعتكف في غير المسجد .

وأما بالنسبة لزمانه فإذا كان في رمضان فآكد وقته العشر الأواخر منه ، ويجوز في أي وقت في رمضان وغيره ، فهو لا يختص بزمن معيّن ، بل مستحب في جميع الأوقات ، ويجب إذا ألزم نفسه بنذر ، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال : كنت نذرت في الجاهلية ان اعتكف ليلة في المسجد الحرام . قال : ( أوف بنذرك ) البخاري 4/809

وأما بالنسبة لبداية وقته فقبل غروب الشمس لمن أراد أن يعتكف يوماً وليلة أو اكثر وقال بعض العلماء يدخل معتكفه فجرا .

آداب الاعتكاف
للاعتكاف آداب يستحب للمعتكف أن يأخذ بها حتى يكون اعتكافه مقبولاً وكلما حافظ عليها المعتكف كان له الأجر الجزيل من رب العالمين وكلما أخل بهذه الآداب نقص أجره .

ومن آداب الاعتكاف ما ذكره ابن قدامة في المعنى :
يستحب للمعتكف التشاغل بالصلاة وتلاوة القرآن وبذكر الله تعالى ونحو ذلك من الطاعات المحضة ويجتنب مالا يعينه من الأقوال والفعال ولا يُكثر الكلام لأن من كثر كلامه كثر سقطه وفي الحديث ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) ويجتنب الجدال والمراء والسباب والفحش فإن ذلك مكروه في غير الاعتكاف ففيه أولى ولا يبطل الاعتكاف بشي من ذلك ولا بأس بالكلام لحاجة ومحادثة غيره روى الشيخان أن صفية زوج النبي صلى الله عليه وسلم جاءت تزوره في اعتكافه في المسجد ، في العشر الأواخر من رمضان ، فتحدثت عنده ساعة ، ثم قامت تنقلب ، فقام النبي صلى الله عليه وسلم معها يقلبها ، حتى إذا بلغت باب المسجد عند باب أم سلمة ، مر رجلان من الأنصار ، فسلما على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهما النبي صلى الله عليه وسلم : ( على رسلكما ، إنما هي صفية بنت حيي ) ، فقالا : سبحان الله يا رسول الله ! وكبُرَ عليهما ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم ) وفي لفظ : ( يجري من الإنسان مجرى الدم ) ، ( وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً ) وفي لفظ : ( شراً ) .

قال الحافظ
وفي الحديث فوائد :
جواز اشتغال المعتكف بالأمور المباحة من تشييع زائره والقيام معه والحديث مع غيره وإباحة خلوة المعتكف وزيارة المرأة للمعتكف .

وروى عبد الرزاق عن علي قال : من اعتكف فلا يرفث في الحديث ولا يساب ويشهد الجمعة والجنازة وليوص أهله إذا كانت له حاجة ، وهو قائم ولا يجلس عندهم .

وأما إقراء القرآن وتدريس العلم ودرسه ومناظرة الفقهاء ومجالستهم وكتابة الحديث فقد اُختلف فيه . فعند الإمام أحمد أنه لا يستحب ذلك ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف فلم ينقل عنه الاشتغال بغير العبادات المختصة به .

قال المروزي :
قلت لأبي عبد الله إن رجلاً يُقرئ في المسجد وهو يريد أن يعتكف ولعله أن يختم في كل يوم فقال :

إذا فعل هذا كان لنفسه وإذا قعد في المسجد كان له ولغيره يقرئ أحب إلي .

وذهب الشافعي كما في المغني : إلى استحباب لأنه أفضل العبادات ونفعه يتعدى .

والقول ما ذهب إليه الإمام أحمد وهو الأفضل والله أعلم .

ملحوظة (1) : بعض الناس يعدون الاعتكاف فرصة خلوة ببعض أصحابهم وأحبابهم ، وتجاذب أطراف الحديث معهم ، وليس هذا بجيد .

حقا أنه لا حرج في أن يعتكف جماعة معا في مسجد ، فقد اعتكف أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معه ، حتى لقد كانت إحداهن معتكفة معه ، وهي مستحاضة ترى الدم وهي في المسجد رواه البخاري ( 303 ، 304 ) ، فلا حرج أن يعتكف الشخص مع صاحبه أو قريبه ، ولكن الحرج في أن يكون الاعتكاف فرصة لسمر والسهر ، والقيل و القال ، وما شابه ذلك . ولذلك قال الإمام ابن القيم بعدما أشار إلى ما يفعله بعض الجهال من اتخاذ المعتكف موضع عِشْرة ، ومجلبة للزائرين ، وأخذهم بأطراف الحديث بينهم ، قال : ( فهذا لون ، والاعتكاف النبوي لون ) زاد المعاد .

ملحوظة (2) : بعض الناس يترك عمله ، ووظيفته وواجبه المكلف به ، كي يعتكف ، وهذا تصرف غير سليم ؛ إذ ليس من العدل أن يترك المرء واجبا ليؤدي سنة ؛ فيجب على من ترك عمله المكلّف به واعتكف ، أن يقطع الاعتكاف ، ويعود إلى عمله لكي يكون كسبه حلالا ، وأمّا إذا استطاع أن يجعل الاعتكاف في إجازة من عمله أو رخصة من صاحب العمل فهذا خير عظيم .

محظورات الاعتكاف :
أ- الخروج من المسجد : يبطل الاعتكاف إذا خرج المعتكف من المسجد لغير حاجة ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يخرج من المسجد إلا لحاجة الإنسان ، وهي حاجته إلى الطعام ، إن لم يكن بالإمكان أن يؤتى إليه بالطعام ، كما كان يؤتى بطعام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد إذ يقول ( سالم ) : ” فأما طعامه وشرابه فكان يؤتى به إليه في معتكفه ) .

وكذلك خروجه للتطهر من الحدث الأصغر ، والوضوء لحديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ( وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدخل عليَّ رأسه وهو في المسجد فأرجّله ، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً ) فتح الباري 4/808 .

ب- مباشرة النساء : ومنها الجماع ، فهذا الأمر يبطل الاعتكاف ، لورود النهي عنه صريحاً في قوله تعالى : ( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) سورة البقرة /187 .

ج- الحيض والنفاس : فإذا حاضت المرأة المعتكفة أو نفست وجب عليها الخروج من المسجد ، وذلك للمحافظة على طهارة المسجد وكذلك الجنب حتى يغتسل .

د- قضاء العدة : وذلك إذا توفي زوج المعتكفة وهي في المسجد وجب عليها الخروج لقضاء العدة في منزلها .

هـ- الردّة عن الإسلام : حيث إن من شروط الاعتكاف الإسلام ، فيبطل اعتكاف المرتد .

الجوانب التربوية للاعتكاف :
(1) تطبيق مفهوم العبادة بصورتها الكلية :
يؤصل الاعتكاف في نفس المعتكف مفهوم العبودية الحقة لله عز وجل ، ويدربه على هذا الأمر العظيم الذي من أجله خلق الإنسان ، إذ يقول الحق تبارك وتعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) الذاريات/56 . حيث إن المعتكف قد وهب نفسه كلها ووقته كله متعبداً لله عز وجل .

ويكون شغله الشاغل هو مرضاة الله عز وجل ، فهو يشغل بدنه وحواسه ووقته – من أجل هذا الأمر – بالصلاة من فرض ونفل وبالدعاء ، وبالذكر ، وبقراءة القرآن الكريم ، وغير ذلك من أنواع الطاعات .

وبهذه الدُّرْبة في مثل أيام العشر الخيرة من شهر رمضان المبارك يتربى المعتكف على تحقيق مفهوم العبودية لله عز وجل في حياته العامة والخاصة ، ويضع موضع التنفيذ قول الحق تبارك وتعالى : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين . لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ) الأنعام /163 ، قال القرطبي ( محياي ) أي : ما أعمله في حياتي ، ( ومماتي ) أي : ما أوصي به بعد وفاتي ، ( لله رب العالمين ) أي : أفرده بالتقرب بها إليه ) 7/69 .

(2) تحري لليلة القدر :
وهو المقصد الرئيسي من اعتكافه صلى الله عليه وسلم إذ بدأ اعتكافه أول مرة الشهر كله وكذلك اعتكف العشر الأواسط تحرياً لهذه الليلة المباركة ، فلما علم أنها تكون في العشرة الأخيرة من شهر رمضان اقتصر اعتكافه على هذه العشر المباركة .

(3) تعوّد المكث في المسجد
فالمعتكف قد الزم نفسه البقاء في المسجد مدة معينة . وقد لا تقبل النفس الإنسانية مثل هذا القيد في بداية أمر الاعتكاف ، ولكن عدم القبول هذا سرعان ما يتبدد عادة بما تلقاه النفس المسلمة من راحة وطمأنينة في بقائها في بيت الله .

ومعرفة المعتكف بأهمية بقائه في المسجد أثناء اعتكافه تتجلى في الأمور التالية :
1- أن الرجل الذي يمكث في المسجد قد احب المسجد من قلبه ، وعرف قدر بيوت الله عز وجل ، وهذا الحب له قيمة عند الله عز وجل ؛ إذ يجعله من الفئات التي يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله .

2- أن الذي يمكث في المسجد ينتظر الصلاة له أجر صلاة ، وأن الملائكة تستغفر له ، ففي الحديث الذي أورده أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث : اللهم اغفر له ، اللهم ارحمه ، لا يزال أحدكم في مصلاه ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) البخاري 2/360 فتح الباري .

3- البعد عن الترف المادي والزهد فيه :
في الاعتكاف يتخفف المعتكف من الكثير من هذه الأمور ، ويصبح كأنه إنسان غريب في هذه الدنيا ، وطوبى للغرباء ، فهو من أجل مرضاة الله عز وجل ارتضى أن يقبع في ناحية من المسجد ليس لديه في الغالب إلا وسادة يضع عليها رأسه وغطاء يتغطى به ، قد ترك فراشه الوثير وعادته الخاصة من أجل ذلك الرضا .

أما طعامه فهو مختلف في وضعه ، إن لم يكن في نوعه ، إن كان طعامه يأتيه من منزله ، فهو عادة لا يأتيه بالكثرة ولا يتناوله بالوضع الذي كان يتناوله في منزله على طاولة وكرسي مع أهله وولده ، بل يأكل كما يأكل الغريب ، ويأكل كما يأكل العبد الفقير إلى ربه ، وإن خرج إلى السوق من أجل الطعام فهو يعمل جاهداً على التعامل مع ما هو متوفر ولا يشترط نوعاً معيناً ، لأنه مطلوب منه العودة إلى معتكفه ، وعدم الإطالة في مثل هذه الأمور ، وبهذا يعرف أن الحياة يمكن إدارتها بالقليل الذي يرضى عنه الله ، وكذلك يمكن إدارتها بالكثير الذي لا يُرضي الله عز وجل ، والفرق بينهما كبير .

(5) الإقلاع عن كثير من العادات الضارة :
في ظل غياب مفهوم التربية الإسلامية في كثير من المجتمعات الإسلامية ، وفي كثير من بيوت المجتمعات الإسلامية . نشأت وتفشّت لدى أفراد هذه المجتمعات كثير من العادات التي تتعارض مع تعاليم الدين الحنيف ، وعمّت هذه العادات المنكرة حتى أصبحت نوعاً من المعروف الذي لا يرى فيه ضرر على الدين والنفس ، ومن تلك العادات : التدخين ، وسماع الموسيقى ، ومشاهدة ما يبث في القنوات الفضائية من مشاهد وأحاديث تضادّ عقيدة المسلم وتُنافي حياءه وعفّته ، وغير ذلك من عادات لها ضررها على الدين والنفس .

وتأتي فترة الاعتكاف لتكشف للفرد المسلم زيف تلك العادات ، وزيف ذلك الاعتقاد الذي سكن في نفوس كثير من المسلمين بعدم القدرة على التخلص من مثل تلك العادات ، لأنها قد استحكمت في النفوس .

(6) ويتعرف الإنسان المسلم في فترة الاعتكاف ، وقد خلا إلى خالقه ، على مفهوم العبادة بصورتها الشاملة ، وأنه يجب أن يكون متعبداً لله عز وجل على مدار الساعة في حياته العامة والخاصة .

فهو عندما يتخذ مرضاة الله عز وجل ومحبّته ميزانا يزن به كل عمل يقوم به ، يجد أن تلك العادات التي أشرنا إليها آنفاً وكثير غيرها لا تتفق مع هذه المحبة لله عز وجل بل تعمل في اتجاه معاكس لها ، ويجد بذلك أن مثل تلك العادات تخرجه عن دائرة العبودية الصادقة لله ، وإذا كان الأمر كذلك فيجب عليه أن يتخلص منها في أسرع وقت ممكن .

(7) وفي فترة الاعتكاف لا يحق للمسلم أن يخرج إلا لحاجة إيجابية ترتبط بتسهيل أمر الاعتكاف في المسجد ، وما عدا ذلك يجب أن يمتنع عنه وإن كان مباحاً ، فهو – على سبيل المثال – لا يحق له أن يتجول في الأسواق – ولو لفترة بسيطة – ليشتري منها ما لا ارتباط له بأمر الاعتكاف ، فلو خرج لشراء سواك لم يكن في هذا حرج على اعتكافه ، لأنه من متطلبات الصلاة في اعتكافه ، ولكن لو خرج لشراء هدية لزوجته ، أو لأحد أبنائه ، فذلك مبطل لاعتكافه ، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كما ورد سابقاً كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان ، فكيف إذا خرج المعتكف لأمر محرم كشرب الدخان مثلاً أو لمشاهدة برنامج فضائي قد اعتاد مشاهدته ، لا شك أن ذلك مبطل لاعتكافه لا محالة .

وكذلك لو خرج يشرب خمرا أو يتعاطى تدخينا بطل اعتكافه . وعموما فإنّ أي خروج لغير عذر يبطل الاعتكاف ومن باب أولى الخروج للمعصية ، ولا يجوز له حتى لو خرج لقضاء حاجته أن يُشْعل في الطريق سيجارة يدخنها .

فالاعتكاف فرصة سنوية يستطيع فيها المعتكف أن يتخلص من هذه البلايا عن طريق التوبة والالتجاء إلى الله عز وجل أولاً ، وعن طريق فطام النفس عن تلك المعاصي في فترة الاعتكاف ، وعدم تحقيق رغبة النفس منها ، وتعويدها على ذلك .

(8) هذه الطاعات المستمرة لله عز وجل تحتاج إلى صبر مستمر من قِبَل المعتكف ، وفي هذا تربية للإرادة ، وكبْح لجماح النفس التي عادةً ما ترغب في التفلّت من هذه الطاعة إلى أمور أخرى تهواها .

وهناك الصبر على ما نقص مما ألِفته النفس من أنواع الطعام المختلفة التي كان يطعمها في منزله ، فتلك الأنواع لا تتوفر في المسجد ، فيصبر على هذا القليل من أجل مرضاة عز وجل .

وهناك الصبر على نوع الفراش الذي ينام عليه ، فلن يوضع له سرير في المسجد ، أو فراش وثير كالذي ينام عليه في منزله ، فهو ينام على فراش متواضع جداً إن لم يكن فرش المسجد .

وهناك الصبر على ما يجد في المسجد من مزاحمة الآخرين له ، ومن عدم توفر الهدوء الذي كان يألفه في منزله إذا أراد النوم .

وهناك الصبر عن شهوة الزوجة إذ يحرم عليه مباشرتها عند دخوله إلى منزله للحاجة حتى التقبيل والعناق ، وهي حلاله ، وفي هذا الأمر تتجلى قيمة الصبر وقيمة القوة في الإرادة وضبط النفس ، ومن خلال هذه المواقف وغيرها نجد أنه يمكن تربية الإنسان على القدرة على تأجيل كثير من الأمور والرغبات العاجلة من أجل أمور أهم منها ، فهو يؤجل كل هذه الحاجات النفسية والمادية العاجلة من أجل الفوز برضى الله تبارك وتعالى .

(9) الاطمئنان النفسي

(10) قراءة القرآن وختمه

(11) التوبة النصوح

(12) قيام الليل والتعود عليه

(13) عمارة الوقت

(14) تزكية النفس

(15) صلاح القلب وجمعه على الله عز وجل .

نسأل الله أن يُعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته ، والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد .

المراجع
الاعتكاف نظرة تربوية د.عبد اللطيف بن محمد بالطو .
الإتحاف في بيان مسائل الاعتكاف لأبي عمر حاي الحاي .

كيف تكسب ليلة القدر؟

د. لطيفة بنت عبد الله الجلعود


الحمد لله الذي فرض صيام هذا الشهر وسنَّ لنا قيامه، والصلاة على خيرة خلقه محمد صلى الله عليه وسلم والذي لم يترك خيراً إلا ودل أمته عليه، فروى عنه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أنه صلى الله عليه وسلم قال:”من صام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه”(1)وروي عنه أيضاً أنه قال:”من قام رمضان إيماناً واحتساباً غُفر له ما تقدم من ذنبه”(2)وإن من الحرمان أن نرى كثيراً من المسلمين يقضون هذه اللحظات والفرص النادرة فيما لا ينفعهم، فإذا جاء وقت القيام كانت أحوالهم ما بين:
(أ) نائمون.
(ب) يتسامرون ويقعون في غيبة إخوانهم المسلمين.
(ج) يقضون أوقاتهم في المعاصي من مشاهدة القنوات الفضائية الهابطة، ومشاهدة الأفلام والمسلسلات الرمضانية – كما يسمونها- وحاشا رمضان أن يكون له أفلام، أو مسلسلات مع ما فيها من اختلاط النساء بالرجال، والموسيقى، وما هو أشنع من ذلك.

لذلك لا بد من تجديد التوبة في هذا الشهر، فهذه فرصتنا للأسباب التالية:
أ. لأن مردة الشياطين تصفد، كما روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- مرفوعاً “أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم”(3).
ب. الإقبال النفسي على فعل الخيرات في هذا الشهر ما لا تستطيعه في الأشهر الأخرى.
ج. أن الصوم في نهار رمضان يمنع من القيام بكثير من المعاصي.
ولو كان أمام أعيننا أنه قد يكون آخر رمضان نصومه لسهلت علينا التوبة، فكم من شخص مات قبل أن يبلغه، أما نحن فقد بلغناه الله عز وجل فلندعوه أن يعيننا على صيامه وقيامه.
مقارنة بين أعمارنا وأعمار الأمم السابقة:
قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه:”أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك”(4).
كان أعمار السابقين مئات السنين، فهذا نوح -عليه السلام- لبث في قومه يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال صلى الله عليه وسلم نحن الآخرون السابقون يوم القيامة”.
فكيف يكون لنا السبق، ونحن أقل أعماراً؟! يكون ذلك باستغلال الفرص والتسابق عليها كما يتسابق الناس على الوظائف، والتسجيل في الجامعات، وعلى التخفيضات أيضاً.
ومن أعظم هذه الفرص، الحرص على ليالي العشر الأواخر من رمضان، فإن لم يكن، فعلى الأقل ليلة 21، 23، 25، 27، 29 لأن ليلة القدر لن تتعدى إحدى هذه الليالي كما قال صلى الله عليه وسلم:”تحروا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر من رمضان”.
إلا إذا كان هناك اختلاف بين دول العالم الإسلامي في دخول رمضان، فإن الأحوط العمل كل ليالي العشر.
قال سبحانه وتعالى:”ليلة القدر خير من ألف شهر”.
منذ أن يؤذن المغرب إلى أن يؤذن الفجر في الغالب لا يتجاوز 12 ساعة.
فكم سنة تعدل ليلة القدر؟ أكثر من ثلاث وثمانين سنة!! فلو حرصت كل الحرص على هذه الليلة فلا تفوتك، وذلك بقيام كل ليالي العشر الأخيرة، واستغلال كل ليلة منها كأحسن ما يكون الاستغلال كقدوتنا وحبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم- كما روت عنه عائشة رضي الله عنها:”أنه إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا ليله وأيقظ أهله”.
ولنحسب عمر واحد منا حرص على القيام في ليالي الوتر لمدة عشر سنوات، إن هذا يساوي أكثر من 830 سنة بإذن الله، ولو عشت عشرين سنة بعد بلوغك، وكنت ممن يستغل كل ليالي العشر بالعبادة، لكان خير من 1660 سنة بإذن الله، وبهذا نحقق السبق يوم القيامة، وذلك باستغلال فرص لم تكن للأمم السابقة من اليهود والنصارى.
لذلك منذ أن يدخل شهر رمضان ادع الله أن يعينك ويوفقك لقيام ليلة القدر، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.

ماذا تفعل في هذه الليلة؟
– الاستعداد لها منذ الفجر، فبعد صلاة الفجر تحرص على أذكار الصباح كلها، ومن بينها احرص على قول:”لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” مئة مرة، لماذا؟ لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مئة مرة كان له عدل عشر رقاب، وكتبت له مئة حسنة، ومحيت عنه مئة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك”(5).
الشاهد: “كانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي” حتى لا يدخل عليك الشيطان فيصرفك عن الطاعة.
– احرص على أن تفطر صائماً، إما بدعوته، أو بإرسال إفطاره، أو بدفع مال لتفطيره، وأنت بهذا العمل تكون حصلت على أجر صيام شهر رمضان مرتين لو فطرت كل يوم منذ أن يدخل الشهر إلى آخره صائماً لما رواه زيد بن خالد الجهني عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:”من فطر صائماً كتب له مثل أجره لا ينقص من أجره شيء”(6).
– عند غروب الشمس ادع أيضاً أن يعينك ويوفقك لقيام ليلة القدر.
– جهز صدقتك لهذه الليلة من ليالي العشر، وليكن لك ادخار طوال السنة لتخريجه في هذه الليالي الفاضلة فلا تفوتك ليلة من ليالي الوتر إلا وتخرج صدقتها، فالريال إذا تقبله الله في ليلة القدر قد يساوي أكثر من ثلاثين ألف ريال، و 100 ريال تساوي أكثر من 300 ألف ريال وهكذا، وقد روى أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:”من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب، وإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فلوه(7)، حتى تكون مثل الجبل”(8) وروى أبو هريرة أيضاً قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً؟ قال:” أن تصدق وأنت صحيح شحيح تخشى الفقر، وتأمل الغنى ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان”(9).
فإن أخفيتها كان أعظم لأجرك فتدخل بإذن الله ضمن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:”سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله.. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه” (10).
– منذ أن تغرب الشمس احرص على القيام بالفرائض والسنن، فمثلاً منذ أن يؤذن ردد مع المؤذن ثم قل: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله، رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً، فمن قال ذلك غُفر له ذنبه كما روي عنه صلى الله عليه وسلم مرفوعاً(11) ثم قل: اللهم رب هذه الدعوة التامة… إلخ، لما رواه جابر بن عبد الله أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمداً الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة”(12).
– ثم بكر بالفطور احتساباً، وعند تقريبك لفطورك ليكن رطباً محتسباً أيضاً، ولا تنس الدعاء في هذه اللحظات، وليكن من ضمن دعائك: اللهم أعني ووفقني لقيام ليلة القدر، ثم توضأ وضوء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم بادر بالنافلة بين الأذان والإقامة؛ لما رواه أنس -رضي الله تعالى عنه- أنه قال: كان المؤذن إذا أذن قام ناس من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يبتدرون السواري حتى يخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وهم كذلك يصلون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء”(13). ثم صل صلاة مودع(14)كلها خشوع واطمئنان، ثم اذكر أذكار الصلاة، ثم صل السنة الراتبة، ثم اذكر أذكار المساء -إن لم تكن قلتها عصراً- ومنها “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” مئة مرة؛ لتكون في حرز من الشيطان ليلتك هذه حتى تصبح، كما سبق أن ذكرنا، ثم نوِّع في العبادة:
لا يفتر لسانك من دعائك بـ “اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني”.
إن كان لك والدان فبرهما وتقرب منهما، واقض حوائجهما وافطر معهما.
ثم بادر بالذهاب إلى المسجد قبل الأذان، لتصلي سنة دخول المسجد، ولتتهيأ بانقطاعك عن الدنيا ومشاغلها علك تخشع في صلاتك، ثم إذا أذن ردد معه وقل أذكار الأذان ثم صل النافلة، ثم اذكر الله حتى تقام الصلاة، أو اقرأ في المصحف، واعلم أنك ما دمت في انتظار الصلاة فأنت في صلاة كما روى ذلك أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:”إن أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، والملائكة تقول اللهم اغفر له وارحمه، ما لم يقم من صلاته أو يحدث”(15).
ثم إذا أقيمت الصلاة صل بخشوع، فكلما قرأ الإمام آية استشعر قراءته، وكن مع كلام ربك حتى ينصرف الإمام.
ثم عد إلى بيتك، ولا يكن هذا هو آخر العهد بالعبادة حتى صلاة القيام، بل ليكن في بيتك أوفر الحظ والنصيب من العبادة سواء بالصلاة أو بغيرها.
ولا تنس -قبل خروجك من المسجد- أن تضع صدقة هذه الليلة، وإذا كان يصعب عليك إخراج صدقة كل ليلة من هذه الليالي فمن الممكن أن تعطي كل صدقتك قبل رمضان أو قبل العشر الأواخر جهة خيرية توكلها بإخراج جزء منها كل ليلة من ليالي العشر.
ولا تنس وأنت في طريقك من وإلى المسجد أن يكون لسانك رطباً من ذكر الله، ولا تنس سيد الاستغفار هذه الليلة:”اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال صلى الله عليه وسلم:”من قاله فمات من يومه أو ليلته دخل الجنة”(16)، وما بين تهليل وتسبيح وتحميد وتكبير وحوقلة؛ لما رواه أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل وما هن يا رسول الله؟ قال: التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله”(17)وما بين صلاة على رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم- ثم الدعاء بخيري الدنيا والآخرة، فإذا دخلت بيتك تلمَّس حاجة من هم في البيت، سواء والداك أو زوجتك أو إخوانك أو أطفالك، فقم بخدمة الجميع بانشراح الصدر واحتساب واستغل القيام بحوائجهم بقراءة القرآن عن ظهر قلب، فقل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن في الأجر، كما روى أبو الدرداء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:”أيعجز أحدكم أن يقرأ في ليلة ثلث القرآن؟ قال:”وكيف يقرأ ثلث القرآن؟ قال: قل هو الله أحد ثلث القرآن”(18). فإذا قرأتها ثلاث مرات حصلت على أجر قراءة القرآن كاملاً، ولكن ليس معنى هذا هجر القرآن، ولكن هذا له أوقات وهذا له أوقات، وقل يا أيها الكافرون تعدل ربع القرآن في الأجر(19)، وآية الكرسي أعظم آية في كتاب الله، أخرجه سعيد بن منصور في سننه، كما قاله عبد الله موقوفاً، ثم قل:” لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير” مئة مرة؛ ليكون لك عدل عشر رقاب، ولتكتب لك مئة حسنة، وتمحى عنك مئة سيئة، ولتكن حرزاً لك من الشيطان حتى تصبح ولم يأت بأفضل مما جئت به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، واحرص على كل ما ثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- من الأذكار ذات الأجور العظيمة، كما قال صلى الله عليه وسلم لعمه:”ألا أدلك على ما هو أكثر من ذكرك الله الليل مع النهار تقول: الحمد لله عدد ما خلق، الحمد لله ملء ما خلق، الحمد لله عدد ما في السموات والأرض، الحمد لله عدد ما أحصى كتابه، الحمد لله ملء ما أحصى كتابه، الحمد لله عدد كل شيء والحمد لله ملء كل شيء وتسبح مثلهن، ثم قال: تعلمهن وعلمهن عقبك من بعدك”(20) وقال صلى الله عليه وسلم:”من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة حطت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر”(21)وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: “من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مئة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد عليه”(22)وفي بعض الروايات “سبحان الله العظيم وبحمده مئة مرة” (23)وكلما ذُكرت الكفارة أو الغفران – غفران الذنوب- وحط الخطايا، فالمقصود بها الصغائر، أما الكبائر فلا بد من التوبة، أما إن كانت هذه الكبيرة متعلقة بحقوق الآدميين فلا بد من الاستحلال مع التوبة أو المقاصة يوم القيامة؛ لما رواه أبو هريرة -رضي الله تعالى عنه-:”من كانت له مظلمة لأخيه من عرضه أو شيء فليتحلله منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه”(24)ولا يغرك في الغيبة ما يردده البعض أن كفارة من اغتبته أن تستغفر له، فهذا حديث أقل أحواله أنه شديد الضعف، وهو يعارض الحديث السابق الصحيح، ومن أعظم حقوق الآدميين: الغيبة والنميمة والسخرية، والاستهزاء والسب، والشتم وشهادة الزور، قال صلى الله عليه وسلم:”الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر” (25).
فإذا فرغت من خدمة الجميع والأعمال البدنية، ليكن لك جلسة مع كتاب ربك فتقرأه، وليكن لك قراءتان في شهر رمضان إحداهما سريعة “الحدر” والأخرى بتأمل مع التفسير إذا أشكل عليك آية، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه:”لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.
فإذا أنهك جسدك فألقه على السرير وأنت تذكر ربك بالتهليل والتسبيح والتحميد والحوقلة والتكبير والاستغفار والصلاة والسلام على رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
– فإن نمت فأنت مأجور -بإذن الله- ثم استيقظ لصلاة قيام الليل في المسجد، وليكن لك ساعة خلوة مع ربك ساعة السحر فتفكر في عظمة خالقك، ونعمه التي لا تحصى عليك مهما كنت فيه من حال أو شدة فأنت أحسن حالاً ممن هو أشد منك كما قال صلى الله عليه وسلم:”انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلا من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله”(26).
– وتذكر هادم اللذات علها تدمع عينك فتكون من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله كما قال صلى الله عليه وسلم:”ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه..” (27).
– وتذكر ما رواه جابر بن سمرة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:”أتاني جبريل، فقال: يا محمد من أدرك شهر رمضان فمات فلم يغفر له فأدخل النار فأبعده الله، قل آمين. فقلت: آمين…” (28) الحديث. فهذه العشر هي والله الغنيمة الباردة، وفي هذا الشهر فرص ومواسم من لم يستغلها تذهب ولا ترجع..
– أخيراً وقبيل الفجر لا بد من السحور ولو بماء، مع احتساب العمل بالسنة؛ لما رواه أنس رضي الله تعالى عنه، قال: قال صلى الله عليه وسلم:”تسحروا فإن في السحور بركة”(29) ثم تسوك وتوضأ واستعد لصلاة الفجر وأنت إما في ذكر أو دعاء أو قراءة قرآن.

– ولا بد من التنبيه على بعض الأخطاء، ومنها:
1- أن البعض قد يشيع في ليلة 23 أو 25 أن فلاناً رأى رؤياً، وأن تعبيرها أن ليلة القدر مثلاً ليلة 21 أو 23. فماذا يفعل البطالون؟ يتوقفون عن العمل باقي ليالي العشر، حتى أن البعض قد يكون في مكة فيعود، لماذا؟ انقضت ليلة القدر في نظره. وفي هذا من الأخطاء ما فيها، ومنها: أن هذا قد يكون حلماً وليس رؤياً. أن المعبر حتى وإن عبرها بأنها ليلة 21 أو 23 أو غيرها ليس بشرط أن يكون أصاب، فهذا أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- عبر رؤيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً”(30) فإذا كان أبو بكر وهو خير الخلق بعد الأنبياء يصيب ويخطئ، فما بالك بغيره. والذي يظهر لي أن هذا من تلبيس إبليس، ليصد المؤمنين عن العمل باقي ليالي العشر. والله أعلم.
وأخيراً.. الأيام معدودة، والعمر قصير، ولا تعلم متى يأتيك الأجل، ولا تدري لعلك لا تبلغ رمضان، وإن بلغته لعلك لا تكمله، وإن أكملته لعله يكون آخر رمضان في حياتنا.
فهذا يخرج من بيته سليماً معافى فينعى إلى أهله، وهذا يلبس ملابسه ولا يدري هل سينزعها أم ستنزع منه؟
لذلك كله علينا أن نستحضر هذه النعمة العظيمة أن بلغنا رمضان ووفقنا لصيامه وقيامه وصالح الأعمال، فكم من شخص مات قبل أن يبلغه، وكم من مريض مر عليه رمضان كغيره من الشهور، وكم من عاص لله ضال عن الطريق المستقيم ما ازداد في رمضان إلا بعداً وخساراً، وأنت يوفقك الله للصيام والقيام، فاحمد الله على هذه النعمة الجليلة، واستغلها أيما استغلال.

———————————————————–
(1) أخرجه البخاري في صحيحه (ك صلاة التراويح ب 1 فضل ليلة القدر 2/709 ح (1910).
(2) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الإيمان ب 6 تطوع قيام رمضان من الإيمان 2/22 ح (37).
(3) أخرجه النسائي في سننه الصغرى (ك الصيام ب فضل شهر رمضان ص 336 ح (2106).
(4) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ك الجنائز، فصل في أعمار هذه الأمة 7/246 ح (2980).
(5) أخرجه البخاري في صحيحه (ك بدء الخلق ب 11 صفة إبليس وجنوده ص 266 ح (3293).
(6) أخرجه ابن حبان في صحيحه (ك الصوم ب فضل الصوم، ذكر تفضيل الله جل وعلا بإعطاء المفطر المسلم مثل أجره 8/216 ح (3429).
(7) فرسه.
(8) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب الصدقة من كسب طيب ص 111 ح (1410).
(9) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب 11 فضل صدقة الشحيح الصحيح ص 111 ح (1419).
(10) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الزكاة ب 16 الصدقة باليمين ص 112 ح (1423).
(11) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه (ك الصلاة ب 62 فضيلة الشهادة لله عز وجل بوحدانيته 1/220 ح (421).
(12) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الآذان ب الدعاء عند النداء 1/222 ح (589).
(13) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الأذان ب 14 كم بين الأذان والإقامة ومن ينتظر إقامة الصلاة ص 50 ح (625).
(14) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير 3/244 ح (3670) وعزاه لأبي محمد الإبراهيمي في كتاب الصلاة، ولابن النجار من رواية ابن عمر وحكم عليه بأنه حسن.
(15) أخرجه البخاري في صحيحه (ك بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء فوافقت إحداهما الأخرى، غفر له ما تقدم من ذنبه 3/1180 ح (3057).
(16) أخرجه البخاري في صحيحه (ك الدعوات ب أفضل الاستغفار 5/2323 ح (5947).
(17) أخرجه ابن حبان في صحيحه باب الأذكار، ذكر البيان بأن الكلمات التي ذكرناها مع البشرى من الحول والقوة إلا بالله مع الباقيات الصالحات 3/121 ح 840 .
(18) أخرجه مسلم في صحيحه.
(19) أخرجه الترمذي.
(20) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (2612).
(21) أخرجه مسلم في صحيحه ح (2691).
(22) أخرجه مسلم في صحيحه ح (2692).
(23) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (6301).
(24) أخرجه البخاري في صحيحه ح (2449).
(25) أخرجه مسلم في صحيحه ح (552).
(26) أخرجه مسلم في صحيحه (7430).
(27) أخرجه البخاري في صحيحه ح (660) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(28) ذكره الألباني في صحيح الجامع الصغير ح (75).
(29) أخرجه البخاري في صحيحه ح (1923).
(30) أخرجه البخاري في صحيحه ح (7046).

المصدر : الإسلام اليوم